هناك نظرية شهيرة لابن خلدون يتحدث فيها عن ولع المغلوب في تقليد الغالب , وكيف أنَّ المغلوب مُولَعٌ أبداً بِتَقليد الغَالب في شِعاره وزِيّهِ ونِحلَتهِ وسائر أحواله وعوائده . هذا التقليد تجده دائما يبدأ بالانبهار وينتهي غالبا بالانبطاح التام . لوتأملنا في الأسباب التي تدفع بالشعوب نحو التقليد الأعمى لوجدنا أن الجانب الثقافي يأتي في المقدمة , طبعا هناك أسباب أخرى مثل الجانب السياسي والاقتصادي والديني والاعلامي , أعتقد أن (السلوك) الإنساني قد يكون له تأثير كبير ولا يقل أهمية عن الجانب الثقافي . الحقيقة أن نظرية ابن خلدون والتي تحدد العلاقة بين الغالب والمغلوب لا يمكن التسليم بها بشكل مطلق . لو تأملنا في تاريخ الحضارات الإنسانية لوجدنا أنه في الكثير من الأحيان كان الذي يحصل هو العكس من ذلك . المغول أقوى وأشرس امبراطورية عرفها التاريخ الإنساني , والتي قامت بتدمير الكثير من الحواضر في العالم الاسلامي نجدها سرعان ما اعتنقت الدين الاسلامي وتحول المغول إلى مكافح ومنافح عن الإسلام . والسر في ذلك يكمن في أن الاسلام دين ودنيا بكل التفاصيل . الدين الإسلامي يتسم بالحيوية والمرونة والقدرة على مواجهة جميع الأديان والثقافات الأخرى مجتمعة . يقول المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي : أن الامبراطورية الوحيدة في التاريخ التي انتقلت من مرحلة النشوء إلى مرحلة الإنحطاط دون أن تمر بمرحلة الحضارة هي الولايات المتحدة الأمريكية . عند انتهاء الحرب العالمية الثانية استقدمت أمريكا كبار مجرمي الحرب من النازيين واليابانيين , حيث قام هؤلاء ببناء برامجها العسكرية والفضائية , بل وجدنا كبار القادة الألمان من النازيين يتولون المناصب القيادية الرفيعة في حلف النيتو . تقوم العديد من الشركات والرياضات الأمريكية باستخدام الأسماء والصور التابعة للشعوب الأميركية الأصلية في منتجاتها , مثل (جيب شيروكي , طائرة الأباتشي) بل وجدنا العديد من الوحدات الأمريكية والعمليات العسكرية تحمل أسماء الأبطال من الهنود الحمر , والتي حاولت هوليود طوال تاريخها شيطنتهم باعتبارهم قبائل متخلفة ومتوحشة ! . كل الحضارات الإنسانية تأخذ وتعطي وتساهم في مسيرة البشرية وكل حضارة تبني فوق من سبقتها من الحضارات . مدى قبول قيم هذه الحضارة أو تلك يعتمد على مدى تمسك أي حضارة بالقيم الإنسانية العالمية مثل العدل والمساواة (الحرية) , وهذه القيم للأسف تفتقر إليها الحضارة الغربية طوال تاريخها . حيث حاولت إخضاع العالم بأسره إلى القوانين والقيم التي يؤمنون بها , وأصبحت هي المعيار الذي من خلاله يحكمون على رقي هذا البلد من عدمه , وبالتالي تجدهم يتدخلون في شؤون الدول الأخرى في كل صغيرة وكبيرة (التعليم , الاقتصاد , الدين , الأخلاق , المأكل , الملبس ، السياسة ..) من خلال وكلائهم , ويعتبرون أن التاريخ بدأ وانتهى عندهم (فوكوياما) ؟! ، مما أوجد ردة فعل قوية لدى شعوب العالم برفض القيم الغربية المستورة التي يحاول الغرب فرضها على العالم بالقوة وما تحمله من عنصرية وازدراء للأديان والقيم الإنسانية والاسرة . يعد الدين الاسلامي الآن ألأكثر انتشارا في العالم على الرغم من الضعف والوهن الذي يعاني منه المسلمين . لأنه دين الفطرة والعدل والمساواة والبساطة ، بل نجد أن الاسلام دخل إلى شرق أسيا من خلال التجار المسلمين (الأمانة) وفي الغرب حاليا دون اطلاق رصاصة واحدة . “تاكيو أوساهيرا” كان عضو أول بعثة طلابية يابانية إلى المانيا عام 1860م , عاد وكان يعد رائد النهضة الحديثة في اليابان , في المقابل كان قاسم أمين عضو أول بعثة طلابية مصرية إلى فرنسا عام 1881م , عاد من فرنسا وأسس أول جمعية نسوية للمطالبة بتحرير المرأة ونزع الحجاب (حصاد الهشيم) والشعور بالانبهار وبالدونية والهزيمة الداخلية ( الانبطاح), وفي المقابل نجد “طلعت حرب” أبو الاقتصاد المصري والذي ما زالت مصر حتى الآن تجني ثمار ما زرعه , وكان مدافعا ومنافحا عن الدين الاسلامي ومفندا لأفكار قاسم أمين التخريبية . عبدالقدير خان أبو القنبلة النووية في باكستان رفض كل الإغراءات الغربية وعاد إلى بلده وأدخل باكستان إلى النادي النووي وكان معتزا بدينه بل وكان يساهم في عمارة المساجد ، بل نجده وقد تحول إلى رمز وبطل قومي في بلده ، بينما في المقابل نجد رموز التغريب تطاردهم لعنات الشعوب وتزدريهم .
ولع الغالب في تقليد المغلوب ؟!
- 23/02/2022
- 27785
شاركها
-
لبنان يدين الهجوم الحوثي الإرهابي على الرياضمنذ 3 ثواني
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
-
الاعلامي رشيد البلوي
كتبت فأجدت بورك في قلمك...
أخبار المجتمع














