في خضم ما نعيشه في حياتنا اليومية ومشاغلها، يغيب عن الكثير منا حقيقة جوهرية وهي أن الدنيا ليست دار راحة ولا استقرار أبدي، بل دار ابتلاء وبلاء واختبار. إنها الحياة الدنيا، أيها السادة والسيدات، تتقلب بين المسرات والمآسي، بين الأفراح والأتراح. لا تكاد تخلو لحظة في هذا الكون برمته من مصائب تقع أو مآسي يعيشها الكثير أو أرزاق تقطع أو أحلام تنهار أو أرواح تُزهق.
المؤلم حقاً والكارثة أن البعض يتعامل مع الحياة كأنها نسخة من حياته، فيتحدث عن الدنيا وكأنه ملم بها ويعرف زواياها وخفاياها، وهو يجهل أو يتجاهل بأن هناك ملايين من البشر في ظلمات بعضها فوق بعض، لا يعلمهم إلا الله وحده، إما بسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية التي سببت لهم جميع الأوجاع من فقد وفقر وقهر وأمراض وحرمان ووحدة وعنف وتشرد وآلام لا يعلمها إلا الله، فقولوا “الحمد لله”. البعض الآخر يرى الحياة من خلال ما يعيش هو وما يملك من أموال ومن صحة واستقرار، وعبر مشاكله الصغيرة، فيظن ما يراه من خلال نافذته الضيقة أنها هي الحياة الحقيقية المطلقة، بينما الواقع هو خلاف ذلك. فالحياة أوسع وأقسى من مخيلة الكثيرين الذين هم في غفلة. مهما ركن إليها الإنسان يوماً فلا بد له من أن تلفظه وتذيقه ما غفل عنه. ألا يدري الإنسان الضعيف محدود الإدراك والفهم بأنه في الثانية واللحظة تمر عليه أن هناك من دمرتهم الحروب وشردتهم الكوارث، والملايين في المهجر، ومنهم تحت الركام بسبب الزلازل، وآخرون نومهم ومعاشهم على أرصفة الشوارع لا يملكون شيئاً من حطام هذه الدنيا إلا أجسادهم الكادحة، ولا يفكرون في شيء إلا ما يسد رمقهم.
بينما نحن في هذه البلاد العظيمة بدينها وبقيادتها الرشيدة، ننعم بما يشبه نعيم الجنة مع فارق التشبيه طبعاً، لكنني أتحدث هنا عن نعيم الدنيا. لكن للأسف، نحن ما زلنا في غفلة من هذا. نعلن طفشنا ومللنا كلما أشرقت شمس الصباح، ونحتار ما نأكل في المساء. نصاب بالضجر من أبسط منغصات العيش، بينما الملايين على حافة جحيم الدنيا ولا حتى يُسمع لهم صوت. ما أحوجنا إلى أن نصحو من هذه الغفلة. لابد لنا من وقفات، أيها السادة والسيدات، نتأمل من خلالها العالم من حولنا وأن ندرك ونعلم بأن خلف كل واجهة براقة مأساة محتملة. علينا أن لا نغتر بطيب العيش الذي نحن فيه، ولا نخدع أنفسنا بتلك الطمأنينة الزائفة والمتغيرة، وعلينا أن نفهم الحياة بطبيعتها ونتهيأ لها وأن نرفع أكف الضراعة كل يوم لله أن لا يغير علينا هذه النعم بالدعاء لا بالادعاء والكذب، فما نحن فيه يتمناه ملايين البشر، فقل الحمد لله، ثم استقم.
بقلم: عائض الشعلاني.














