نكمل المقال السابق سته على سته ١٣٠ . حوار دار بين عوض مقذل الخراصي ورفاق الرحلة على أثر تلفظ أحدهم لأحد العمالة الاثيوبية الخادمة بطرفهم بألفاظ جارحة غير مقبولة . استفزت الأثيوبي . كان رده: ” أنت تصور النعمة كائنك تودعها ” لاحدس ما أن سمع الخراصي أبن مقذل ملاسنتهما . تدخل بينهما من أجل تجفيف الملاسنة .
الخراصي البالغ من العمر الخمسة والثمانون سنة . أحد أبناء المنطقة التي مخيم بها الرحلة . جاء يانس بالحديث والأمسية الثقافية ، ويشنف اسماعه بالشعر ومساجلاته ، ويستمع ما يقوله الرواة . مما قاله الخراصي الطاعن بالسن: لا تنهر الحبشي كنا نعمل عندهم بالحبشة كما يعملون عندنا الأن مصداقاً لقوله تعالى:( تلك الأيام نداولها بين الناس .. ) آل عمران / ١٤٠ ثم بداء يورد قصته بالحبشة ، بسليقته البدوية ، وفطرته البدوية ، بالحبشة والتعامل معهم ببلادهم ، واثناء العمل معهم في محمل الحج بمكة المكرمة على نحو مايلي:
من هذا المكان عام ١٣٥٧ هجري . أنطلقت منه صوب مكة المكرمة ملتمساً العمل والمعيشة . أصابنا دهر امحلا المكان والحيوان ، ومس الإنسان ضنكاً شديد ما الله أعلم به . هزرت المواشي ، وغارت موارد الماء ، وقلة المعيشة ، وشضف العيش . تقطع الحلال متردية أحوالها ، وتردت زمونا . الجوع ومسغبته من مهددات الحياة ، وأرض قفراء . قطفتها منعدمة ، وسوء الحال يسوقنا سوقاً . البطون لاصقة في الظهور من انعدام الأكل وقلته . نتضور من قوة الجوع . عود البدن نحيل . يغلب عليه النحول . القمل يتساقط من شعر فروة الرأس . دب في الجسم ، وانتشر بالأثواب . فقر الدم بسببه عند عموم مجتمع هذه الناحية .
أضطريت أن أمشي بمفردي فاراً بنفسي من المجاعة على أقدامي من هذا الموقع إلى مكة المكرمة ، وفي مكة المكرمة بين القرارة والغزة والقشاشية ابحث عن عمل متنقل بين حلقة الغنم ، وسوق النخاسين ” الرقيق “وأصحاب الحرف . نحمل بعض لوازم الميسورين بقرش لمحلاتهم ، نقيد بعض الجلب للمشتري أو البائع حفاظاً عليها بقرش . بعض الميسورين من أهالي مكة رفض أن يشغلني دثرة هندامي تمنعهم ، ونحول الجسم حايل في تشغيلي . إذا حصلت على قرش في ذلك اليوم سعيد . ذات يوم ضحى . مطرف بجانب محل بيع سمن . مر بي أحد أفراد أسرة جنيدب ، هذه الأسرة من القثمة فخذ يقال لهم الدهسة ، والقثمة معروفة ذكر غير خامل . شاهدني ابن جنيدب حالتي مزرية ، فسأل من اي الجهات ؟
فقلت: من المحازة .
قال: محازة ركبة .
قلت نعم .
قال: تعرف أحد بمكة .
قلت: لا
قال: تعمل عند أحد .
قلت: لا
قال: ماوجدت عملاً .
قلت: لا .
أخذني لأحد الأحباش جنوب الحرم ، فطلب ان يشغلني عندهم ، فنظر الحبشي بنظرات من راسي لأخمسي قدمي أفزعني بها ، ثم لب طلبه . فجعتني أبدان الأحباش من النعمة الظاهرة عليها . جسامة أبدانهم عضلة . نظرة النعمة ظاهرة غير خافية . أطراف أناملهم فارعة الطول ، ومنتفخة مدبدبة ريانة العافية ، وصدر أحدهم يبرك الحاشي فيه من الضخامة والعرض ، وبشرتهم عسلية اللون كلون عسل السمرة . يخالط بشرتهم سحامة نظرة جميلة . سمار محموس . سحم الوجوه ، وجوهم قليلة منابت الشعر . أقرب للجلادة . أمر رئيسهم دهن فروة رأسي بمادة . تبين فيما بعد القاز ثم اعطاني ملابس نظيفة ، وأمر بخلع ملابسي ، ووضعها بماء مغلي ثم بعد الاستحمام والاغتسال ارتديت الملابس المعطاه ثم أمرهم أحضار طعام . كان طعام لذيذ لين يمرق من الحلق بسهولة ثم ما لبثوا أن جلبوا في وعاء طعام عبارة حبات يغلب عليها الصفار محموسة أو مشوية بحجم حبة لبن . تبين فيما بعد الحبش . أسند لي مهمة نظافة مكان جلوسهم ، وفتح النوافذ مع شروق الشمس وغسل المواعين ، وصواني الطبخ ، وجلب الماء للزير الكبير ثم منه تفريغه في أشربة صغيرة من الفخار بمجالسهم واماكن جلوسهم ونومهم ثم اسند فيما بعد ان جلب من مقرهم بجده اكياس حب على جمال مستأجره إلى مقرهم بمكة المكرمة كلما جلبت حملة اكياس الحب يعلقوها في ميزان واقف يتأكدون من سلامة مقدار الكمية ، وعدم نقصانها . استمريت على الحال أكثر من مرة أيام محملهم موسم الحج . تبين لي فيما بعد وزن الاكياس البعض يختلس منها الحب . بالوزن يتبين سلامة مقدار الكمية ، ومن خلالها ترسخت ثقتهم بأمانتي ، ولم يزنوا ما أجلبه من اكياس حب ، ولمّ يسألوني عن شيء ، وأحسنوا إكرامي ، وإجرتي ، وطلبوا ان حضر من جلدتي عدداً من أجل يعملوا معهم كل موسم الحج ، وحراسات مقراتهم بجده ومكة المكرمة، وفعلت ذلك . اختيار أشخاص موثوق فيهم امانة وظرافة .
كنت عمل في موسم الحج وحمل حبوبهم من مقرهم بجده إلى مقرهم بمكة المكرمة على الجمال ، والجالية الحبشيّة بمكة المكرمة عندها ميزان سالف الذكر يعلق شال الحب ، ويعرف مقدار الوزن مطابق أو اختلس منه شيئاً ، وثقوا بأمانتي ، واسندوا هذه المهمة لي بنقل حبوبهم من جده لمكة المكرمة ، وظليت معهم مستمر حتى عام ١٣٦٠ هجرياً ، فطلبوا مني اذهب معهم الحبشة ، وحقوقي مكفولة ، وهم بها زعيم ، والعام القادم أتي معهم في محمل الحج القادم ، متكفلين بالاكل والشرب والملبس ومكان الأقامة بالحبشة بخلاف العرقة – الاجره – لا خيار إلا الموافقة من أجل المصلحة ، فاخبرت أحد جماعتي الذين يعملون معهم بموافقتي بالذهاب للحبشة . عليهم إذا رجعوا لديرة أخبار والدي بذلك . ما أن أخبروا والدي ضرب كفاً بكف قال: غدى أبني في بلاد الاحباش .. من يجيبه من الحبشة ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله . الله المستعان .
سادتي الفقر كفر . ما حل الفقر مكان إلا اصطحب معه الكفر ، وصدق أمير المؤمنين/ علي بن ابي طالب: لو الفقر رجلاً لقتلته ، فالفقر صنوان الجهل والمرض ، وربق التخلف ، وعدم جودة الحياة .
العدد القادم نكمل الرواية .
دام عزك ياوطن ، ودام عز سلمانه . سلمان الحزم . خادم الحرمين الشريفين ، ودام عز ولي عهده الأمين محمد العزم ، وآدام الله عز القيادة الرشيدة بالنصر والتمكين ، والعزة والمنعة .
بقلم/ خالد حسن الرويس
خالد بن حسن الرويس
بشير الرشيدي
- 29/12/2025
- 47356
شاركها
-
عبدالله الحضبي
انت دائماً متميز يا بو حمود بيض الله وجهك على الكلمة الوطنية...
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
أخبار المجتمع














