يشكّل التبرع بالأعضاء من المتوفي دماغيًا أحد أهم مسارات إنقاذ المرضى في المملكة، واحترام رغبة من سجّل موافقته المسبقة عبر المنصات الرسمية هو التزام أخلاقي وقانوني يعكس قيم التكافل التي يقوم عليها المجتمع السعودي. فعضو واحد من متوفي دماغيًا قادر على إنقاذ حياة ثمانية مرضى، إضافة إلى عشرات المستفيدين من الأنسجة، مما يجعل تنفيذ هذه الرغبة مسؤولية وطنية لا تحتمل التأخير.
ورغم وضوح رغبة المتبرع، لا تزال الإجراءات الحالية تشترط موافقة الأسرة كقرار نهائي، وهو ما يؤدي في كثير من الحالات إلى ضياع أعضاء قابلة للزراعة وفقدان فرص إنقاذ حياة مرضى ينتظرون منذ سنوات. إن مراجعة هذا الإجراء أصبحت ضرورة ملحّة، فاعتماد إرادة المتوفي الموثّقة كمرجع نهائي سيُحدث نقلة نوعية في منظومة التبرع بالأعضاء، ويُسهم مباشرة في رفع معدلات الزراعة وتقليل الوفيات.
لقد أثبتت المملكة خلال السنوات الماضية أن القرارات المصيرية الجريئة قادرة على إحداث ثورة صحية حقيقية، حتى أصبحت العديد من الدول تحتذي بما تحقق في الرياض من إنجازات. ولا شك أن فتح النقاش حول هذا الملف الحيوي سيعزز مكانة المملكة عالميًا، وسيعود أثره الإيجابي على الوطن بأكمله، ويخدم أهداف رؤيتنا الوطنية 2030 التي ستتحقق بفضل أبناء هذا البلد، ومن بينهم أولئك الذين مُنحت لهم فرصة حياة جديدة عبر تبرع كريم من متوفين دماغيًا، ليعودوا ويسهموا في بناء الوطن.
ومن المهم عند تسجيل التبرع عبر تطبيق توكلنا أن تُرسل رسالة إلى أسرة المتبرع لإعلامهم بقراره، تجنبًا لأي تعقيدات عند حدوث الوفاة الدماغية، ولتصحيح المغالطات المنتشرة حول حالات الوفاة التي يمكن فيها استئصال الأعضاء؛ فالأمر واضح: الاستئصال يتم فقط من الشخص المتوفي دماغيًا، وليس من أي حالة وفاة أخرى.
وفي سياقٍ إنساني أعمق، تبقى مقولة “إكرام الميت دفنه” قاعدة شرعية ثابتة، لكن توسيع معناها ليصبح “إكرام الميت إحياءه لغيره” يعكس قيمة العطاء الممتد الذي يتركه المتبرع بعد رحيله، دون أن يمسّ ذلك الحكم الشرعي أو حرمة الجسد. إنها صياغة تحمل معنى أعمق: أن إكرام الإنسان لا يقتصر على دفنه، بل يمتد ليشمل أثره في حياة الآخرين.
ختامًا, إن تنفيذ رغبة المتوفي دماغيًا هو احترام لإرادته، وإنقاذ لحياة الآخرين، وتعزيز للثقة في المنظومة الصحية. أما تعديل الإجراءات الحالية فسيكون خطوة إصلاحية محورية، تليق بمسيرة القرارات الوطنية التي صنعت إنجازات يشهد لها العالم، وتفتح باب الأمل لمرضى ينتظرون الحياة من جديد














