في خضم التحولات الوطنية المتسارعة التي تشهدها المملكة العربية السعودية ، تبقى الإدارة المحلية ركيزة أساسية في تحقيق مستهدفات التنمية المستدامة. غير أن بعض الأنماط التقليدية في العمل الإداري لا تزال تُعيق روح الإصلاح، وتُحدث فجوات بين التخطيط والتنفيذ.
هذا المقال قراءة نقدية هادئة لظاهرة إدارية متكررة، نُطلق عليها مجازًا “الستار الأسود”، لتسليط الضوء على أثرها في تعطيل الكفاءات، وتزيين الواقع، وإقصاء المشاركة المجتمعية، مع دعوة جادة لإعادة الاعتبار لقيم الشفافية والتمكين.
في وطنٍ يحتضن الرؤية ويزخر بالطموح، وتزدهر فيه المبادرات تحت قيادة تسير بثبات نحو التحديث والتكامل، تُمثل المحافظات خطوط التماس الأولى مع المجتمع، وأرض التطبيق العملي للسياسات.
ومع ما تشهده المملكة من تحولات نوعية، يبرز تساؤل مهم: هل تنتقل هذه الرؤية بأمانة إلى مفاصل العمل المحلي؟ أم أن هناك ما يحجبها، أو يُضعف أثرها؟
في بعض البيئات، تظهر فجوات غير مرئية بين ما يُعلن من أهداف وما يُنجز فعليًّا. لا تعود هذه الفجوات إلى نقص في الموارد أو ضعف في التوجه، بل إلى أساليب إدارية تتخفى خلف ما يمكن وصفه مجازًا بـ”الستار الأسود” – ستار رمزي من الممارسات البيروقراطية التقليدية، التي تُعلي من الشكل على المضمون، وتُكرّس الظهور على حساب التأثير، وتُعيد إنتاج ذات المشهد دون مراجعة أو مساءلة.
تحت هذا الستار، لا يُحتفى بالكفاءة كما ينبغي، ولا يُمنح الصوت المجتمعي فرصته، بل تُدار المشاهد بعناية تلميعية، وتُغلق المساحات أمام أصحاب المبادرات النوعية، ويُفسح المجال لمن يُجيد فن الحضور لا عمق الأداء.
وتتجلى هذه الظاهرة في المناسبات الوطنية، حين تتحول بعض الفعاليات إلى عروض شكلية، تغيب عنها الأصالة، وتُقصى منها الكفاءات، وتُكرر فيها الأسماء والوجوه ذاتها، بينما تُغلق الأبواب أمام التجديد والمشاركة الحقيقية.
إن هذه الممارسات لا تنمّ عن تقصير فردي، بقدر ما تعكس خللاً مؤسسيًّا في الفهم والإدارة، حيث تُختزل التنمية في تقارير وإنجازات شكلية، وتتخذ القرارات داخل دوائر ضيقة، بعيدًا عن الميدان.
وخطورة “الستار الأسود” تكمن في كونه لا يُعلن عن نفسه، بل يتسلل بصمت، حين تُستبدل الشفافية بالإقصاء، والمشاركة بالانتقائية، والمساءلة بالمجاملات، ويتحول العمل العام إلى سردية مغلقة لا يرى فيها المجتمع ذاته.
تجاوز هذا الواقع لا يحتاج إلى قرارات قاسية، بل إلى شجاعة المراجعة وإرادة التغيير. فقيادتنا الرشيدة تُشدد على الكفاءة والتمكين والمشاركة، لكنها تحتاج إلى إدارات تتفاعل مع هذا النهج لا تكتفي بترديده.
في بيئة صحية، يكون النقد أداة تطوير، والمبادرة محل ترحيب، والفرص مفتوحة للكفاءات لا محجوبة عنها. وتصبح المناسبات الوطنية منصات لتكريم التميز، لا استعراض التكرار.
لقد آن الأوان لكشف هذا الستار، لا لمهاجمة من خلفه، بل لفهم ما صنعه، ولماذا بقي. فالتنمية الحقيقية لا تُنجز بالحجب، بل بالوضوح، ولا تقوم على تجميل الواقع، بل على تغييره.
وفي مملكة الخير، التي تؤمن بأن كل مواطن شريك في البناء، لا مكان لنهج يُقصي أو يُهمش، ولا لثقافة تُغلق الأبواب في وجه التميز. فكل ما يُدار خلف الستار لن يصمد طويلًا في زمن التحول، ولن يبقى في عصر يُراهن على الشفافية والمساءلة والعدالة.















تعليق واحد
استاذ محمد
لم افهم محتوى هذا المقال
تتفرع الأفكار إلى أهداف لم نفهمها
وطغى على المعنى الستار الأسود الذي ذكرته
الله يكفينا الشر
وسلامتك