في زحمة الحياة و تسارع و تيرتها، تظل بعض الظواهر الاجتماعية حاضرة كأنها منارات مضيئة تهدي النفوس و تبعث في القلوب السكينة و الاطمئنان. و من بين هذه الظواهر الرائعة التي تعكس سمو القيم و عمق الأصالة، يبرز الترابط الأسري و صلة الأرحام كعنوان بارز للحياة الاجتماعية المتماسكة في مجتمعاتنا .
ما من مناسبة أعظم في بث هذا الدفء الإنساني من مناسبة العيد، التي يجتمع فيها الناس على المحبة و المودة، و يتقاربون رغم المسافات، وتُنسى الخلافات، و تتجدد المشاعر النبيلة. لقد كان عيد الفطر المبارك هذا العام صورة صادقة من صور التلاحم والتواصل، شاهدة على أن القيم لا تموت، وأن الروح الاجتماعية ما زالت تنبض في قلوب أبناء المجتمع.
من أجمل ما رأيت وأبهى ما عايشت، تلك الزيارات التي يقوم بها الأبناء والأحفاد لكبار السن. يدخلون على آبائهم وأجدادهم ببسمات مشرقة، وهدايا بسيطة، وقلوب صافية. يرحب الكبار بالصغار، و تُملأ المجالس بأحاديث الذكريات، و القصص القديمة، و الحكم التي يستفيد منها الجيل الجديد. و هذه اللقاءات، رغم بساطتها، تعني الكثير في ميزان العلاقات الإنسانية، فهي تعزز من قيمة الاحترام و التقدير، و تغرس في الأبناء أهمية صلة الرحم، و الوفاء للأسرة.
كما أن من المشاهد الجميلة في العيد، ما يفعله الآباء و الأجداد من توزيع الحلوى والعيديات على الأطفال. إنها لحظات تتلألأ فيها العيون، وتعلو فيها ضحكات الطفولة، فتنشرح لها القلوب، وتطمئن النفوس. وتتزيّن الأحياء بثياب العيد الجديدة، فتملأ البيوت رائحة الطيب والفرح، وتتناثر الأمنيات على ألسنة الجميع، كبارًا وصغارًا.
ولا تكتمل فرحة العيد إلا بتلك الجلسات العائلية الدافئة، التي يتشارك فيها الجميع أطباق الطعام، والفعاليات المتنوعة، و الطرائف والنوادر التي تخلق أجواءً من الأنس، وتخفف من وطأة الغياب والحنين، وتعيد للمكان وهجه، وللقلوب دفئها. ومن اللافت للنظر أن كثيرًا من العائلات باتت تنظم فعاليات أسرية تتضمن مسابقات ثقافية، وألعابًا تراثية، وأمسيات شعرية، ما يجعل من العيد مناسبة جامعة تُرضي جميع الفئات العمرية.
وقد أثبتت مثل هذه المناسبات أن وشائج القربى لا تُبنى على الدم فقط، بل تتقوى بالحب، والاهتمام، والسؤال، واللقاء. إنها روابط تتغذى من الإخلاص والتواصل، وتعكس مدى وعي المجتمع بأهمية بناء أسره على أساس من الرحمة والمودة والتقدير المتبادل.
ومن المؤسف أن البعض غفل عن هذه القيم، فطغت مشاغل الحياة على علاقاتهم، وقلّت زياراتهم، وتباعدت خطواتهم عن أقاربهم. لذلك، فإن من الواجب علينا جميعًا، في كل عيد، أن نستعيد تلك القيم، وأن نحرص على غرسها في نفوس أبنائنا، حتى لا تبهت معالمها في زحام الحياة.
وفي الختام، أقول بكل صدق: ما أجمل الأعياد حين تُبنى على صلة الأرحام، وما أروع المجتمعات حين تفيض علاقاتها بالألفة والوفاء، وما أدفأ البيوت حين تعمرها المحبة، ويتزين أهلها بقيم الكرم، والاحترام، والبذل.
فالعيد الحقيقي لا يكمن فقط في المظاهر، بل في دفء القلوب، ونقاء العلاقات، و بهجة اللقاء.