تولي وزارة البيئة والمياه والزراعة اهتمامًا بالغًا بتطوير الموارد المائية وتعزيز الأمن الغذائي، بدعم من حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله. ومع اتساع مساحة المملكة وتعدد أوديتها، يصبح استثمار هذه الموارد المائية تحديًا استراتيجيًا يستوجب التخطيط الدقيق لضمان استدامة المياه، خاصة في ظل تزايد الطلب عليها لمختلف الاستخدامات الزراعية والصناعية والحياتية.
تمثل مياه الأمطار التي تتدفق سنويًا عبر الأودية موردًا مائيًا طبيعيًا لا يتم استغلاله بالشكل الأمثل، حيث تنتهي كميات ضخمة منها في الصحارى دون فائدة تُذكر. من هنا تبرز أهمية إنشاء سدود استراتيجية تعمل على جمع المياه وتخزينها، مما يسهم في تغذية المخزون الجوفي، ودعم الأنشطة الزراعية، وتقليل الفاقد المائي. فكل وادٍ يمكن أن يصبح خزانًا استراتيجيًا يوفر المياه للمناطق المجاورة إذا تم بناء السدود في مواقع مناسبة وفق دراسات علمية دقيقة.
تعتمد الدول المتقدمة على تقنيات متطورة في إدارة مواردها المائية، حيث يتم بناء سدود ليست فقط لتخزين المياه، بل لدمجها مع أنظمة حديثة للتحكم في التدفق والاستفادة المثلى منها. يمكن تطبيق ذلك في المملكة من خلال إنشاء شبكة متكاملة من السدود المرتبطة بتقنيات الري الحديث، مما يتيح زيادة المساحات الزراعية دون الحاجة إلى استنزاف المياه الجوفية. فتوظيف أنظمة الري الذكي ، التي تعتمد على تقليل الهدر و تحسين توزيع المياه، سيحقق فوائد طويلة الأمد للاقتصاد الزراعي، و يضمن استدامة الإنتاج المحلي.
لقد كشفت جائحة كورونا عن الحاجة الماسة إلى تعزيز الأمن الغذائي، حيث أدى الاعتماد على الاستيراد إلى تأثر الأسواق بنقص بعض المنتجات الأساسية مثل البصل و الثوم والخضروات الأخرى. هذه التجربة أكدت أن تحقيق الاكتفاء الذاتي لا يمكن أن يكون فعّالًا إلا إذا توفرت مصادر مياه موثوقة تدعم الإنتاج الزراعي المستدام. بناء السدود يساهم في توفير هذه الموارد، و يساعد على تطوير مشاريع زراعية متكاملة تلبي احتياجات السوق المحلي، و تقلل من تأثر المملكة بالتقلبات الخارجية في الإمدادات الغذائية.
لا تقتصر فوائد السدود على الجانب الزراعي فقط، بل تمتد لتشمل جوانب أخرى مثل تعزيز الاستقرار البيئي، وتقليل مخاطر الفيضانات، و دعم السياحة البيئية من خلال إنشاء بحيرات صناعية حولها. كما يمكن أن تكون هذه السدود جزءًا من مبادرة “السعودية الخضراء”، التي تسعى إلى إعادة التوازن البيئي من خلال التوسع في التشجير و زيادة الغطاء النباتي، و هو ما يتطلب توفر المياه بكميات كافية.
التخطيط المستقبلي يجب أن يركز على بناء منظومة شاملة لإدارة الموارد المائية، بحيث يتم الاستفادة القصوى من كل قطرة ماء. يمكن تحقيق ذلك عبر تطوير تقنيات الحصاد المائي، و إنشاء محطات تنقية تعمل بالطاقة المتجددة، و تعزيز البحث العلمي في مجال إدارة المياه . كما أن توعية المجتمع بأهمية ترشيد الاستهلاك والاستخدام المسؤول للمياه يعد خطوة مكملة لهذه الجهود.
رؤية ولي العهد “السعودية الخضراء” تمثل خارطة طريق واضحة لهذا التوجه، حيث تهدف إلى تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية و حماية الموارد الطبيعية. الاستثمار في السدود و الأودية ليس مجرد مشروع مائي، بل هو استثمار طويل الأمد في مستقبل المملكة، يضمن استقرار الإمدادات الغذائية، و يحافظ على البيئة، و يدعم التنمية المستدامة. لذا، فإن دعم هذه المشاريع وتنفيذها وفق استراتيجيات متكاملة سيجعل من المملكة نموذجًا عالميًا في الإدارة الذكية للموارد المائية، و يعزز مكانتها كدولة رائدة في تحقيق الأمن المائي والغذائي.
في ختام هذا المقال، أرى أن من الضروري استثمار الأودية الكبيرة بإنشاء سدود تكون خزانات استراتيجية للمياه بدلًا من هدرها. كما يمكن توظيف هذه الموارد في دعم الزراعة وري المحاصيل المناسبة لكل منطقة ومحافظة، مما يعزز الأمن الغذائي والاستدامة البيئية. إن تبني مثل هذه الحلول يسهم في تنمية المناطق ويدعم الاقتصاد المحلي من خلال تحسين الإنتاج الزراعي واستقرار الموارد المائية.