
في كل سيرةٍ صادقةٍ روحٌ تستحق أن تُروى، فكيف إذا كان المتحدث شخصيةً تربويةً عريقةً، عاشت بين جدران المدارس، وتفيأت ظلال المساجد، وصنعت لها أثرًا في الناس والمكان؟
ضيفنا اليوم أحد أبناء محافظة رنية الأوفياء، ومن الجيل الذي تأسس على القيم والاحترام، فارتبط بالعلم لا كمهنة، بل كرسالة حياة، ورَسَّخ للعدالة التربوية في محطات إدارته، وترك بعد التقاعد بصمةً هادئةً في مجالات العطاء الاجتماعي والخيري.
إنه الأستاذ مبارك بن محمد البرقي الشهراني، عضو المجلس المحلي بالمحافظة، وعضو مجلس جمعية تحفيظ القرآن الكريم.
في هذا اللقاء الرمضاني، نفتح معه دفاتر الذكريات، ونستنطق أيام الطفولة، ونسجّل محطات من سيرته التعليمية، ومواقفه الإدارية، وذكرياته في رمضان زمان، قبل أن نختم بحياته الهادئة بعد التقاعد.
ملامح الطفولة
س: كيف كانت طفولتك؟ وما أبرز الذكريات العالقة في ذهنك؟
ج: كانت طفولةً بسيطةً وصادقة. وُلدتُ بوجهٍ مدوَّر وشعرٍ كثيف، وكنتُ اجتماعيًا بطبعي. من أجمل الذكريات تلك الليلة التي أهداني فيها أخي فالح دراجة وأنا في الصف الخامس؛ لم أنم من شدة الفرح، كانت لحظة صنعت بداخلي شعورًا لا يوصف.
س: من كان قدوتك في الطفولة؟
ج: والدي الشيخ محمد بن فالح البرقي – رحمه الله – كان قدوتي ومثلي الأعلى. كان تقيًا، حكيمًا، رزينًا، علّمنا الرجولة والانضباط بسلوكه قبل كلامه.
س: وما الألعاب والهوايات التي كنت تمارسها؟
ج: كنا نلعب الكرة والغميضة والجري، وكانت هواياتي الخط العربي، والقراءة، والسباحة. وقد ساعدتني تلك الهوايات على التوازن والتركيز والهدوء.
س: كيف كانت علاقتك بأسرتك وجيرانك؟
ج: كانت مبنية على الاحترام العميق، وكان الجار في مقام الأخ، وزوجته تُعامل كأم. كنا نعيش كمجتمع متماسك كأننا أسرة واحدة.
رحلة التعليم وبداية التكوين
س: ماذا تتذكر عن أول يوم دراسي؟
ج: لا يُنسى، كان مزيجًا من الرهبة والحماس. كنتُ متشوقًا لهذا العالم الجديد، وكانت تلك البداية ترسم لي طريق المستقبل.
س: أين بدأت تعليمك؟ ومن أبرز المعلمين في مسيرتك؟
ج: بدأتُ دراستي في مدرسة الملك عبدالعزيز الابتدائية. ومن أبرز المعلمين الذين كان لهم أثر في حياتي: الأستاذ فهيد عبدالله تركي، وعلي زيد، وخالد الشريف، وناصر الحواف. لهم جميعًا في قلبي وفاءٌ ودعاءٌ دائم.
س: ما أصعب مرحلة دراسية؟ وأيها كانت الأجمل؟
ج: الابتدائية كانت الأصعب؛ لأنها مرحلة تكوين شخصية الطفل ومهاراته. أما الأجمل فكانت مرحلة دراستي في مركز العلوم والرياضيات بالرياض، لما فيها من نضج وانفتاح معرفي.
س: ما أكبر التحديات التي واجهتك؟
ج: قبولي في معهد المعلمين الثانوي بالطائف في سن صغيرة، بعيدًا عن الأهل. كانت تجربة قاسية، لكنها علّمتني الاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية.
س: لماذا اخترت تخصص الرياضيات؟
ج: لأنه علم يقوم على المنطق والتركيز، ويناسب ميولي العقلية. كان تخصصًا نادرًا آنذاك، وحققت فيه الامتياز ومرتبة الشرف.
س: كيف كانت علاقتك بزملائك في الدراسة؟
ج: علاقة طيبة يسودها التعاون والتنافس الشريف، وبعض تلك العلاقات مستمرة حتى اليوم، وهذا من نعم الله.
ذكريات رمضانية
س: متى صمت أول رمضان كامل؟ وكيف كانت التجربة؟
ج: في العاشرة من عمري. كانت تجربة مميزة، وفيها الكثير من التحدي والفرحة، خاصة عند سماع أذان المغرب.
س: ما أبرز ذكريات رمضان في الطفولة؟
ج: لَمَّة الإفطار العائلية، تبادل الأطباق بين الجيران، وصلاة التراويح، وفرحة العيد التي كانت تعني لنا الكثير من البهجة والفرح.
س: كيف كانت أجواء الإفطار والسحور قديمًا؟
ج: الإفطار كان جماعيًا، والسحور على نور الفوانيس. كانت البساطة والروحانية هما السائدتان في كل التفاصيل.
س: هل كنت تواظب على صلاة التراويح؟ وأين؟
ج: نعم، كنت أصلي التراويح في مسجد الحزم. وكان الشيخ سعيد بن عمير – رحمه الله – هو الإمام، أما صلاة القيام فكان يؤمها الشيخ عبيد آل عبيد. صوتهما له وقعٌ روحي لا يُنسى.
س: كيف ترى الفرق بين رمضان الماضي والحاضر؟
ج: رمضان في الماضي كان أكثر دفئًا وصفاءً، أما الحاضر فتطغى عليه المظاهر، رغم أن الجوهر لا يزال موجودًا لمن بحث عنه.
س: ما الأكلة الرمضانية التي لا تزال مرتبطة بذاكرتك؟
ج: “الشُربة”، لا تزال إلى يومنا هذا جزءًا أساسيًا من السفرة الرمضانية، لا تغيب أبدًا.
المسيرة المهنية وما بعدها
س: ما أبرز المناصب التي تقلدتها في مشوارك المهني؟
ج: بدأتُ معلّمًا عام 1399هـ، ثم أصبحت معلم رياضيات في متوسطة رنية، ثم مديرًا لمدرسة الملك عبدالعزيز، فالعمائر، ثم مدرسة الحزم الابتدائية، وتقاعدت بعدها تقاعدًا مبكرًا.
س: ما المهمة الأقرب إلى قلبك؟
ج: التعليم، لأنه رسالة سامية، وهو المجال الأقرب لغرس القيم والتأثير في النفوس.
س: هل اتخذت قرارًا إداريًا ترك أثرًا إيجابيًا؟
ج: نعم، اعتمدت التمييز في التقييم بين المجتهد والمقصّر، وهذا رفع من مستوى الأداء وشجع على الانضباط والعدل.
س: هل واجهت ضغوطًا؟ وكيف تعاملت معها؟
ج: نعم، لكنها لم تكن تعيقني. كنت أواجهها بالعدل والحكمة، مع قناعة راسخة بأن رضا الناس غاية لا تُدرك.
س: كيف كانت حياتك بعد التقاعد؟
ج: حياة هادئة وثرية. التقاعد بالنسبة لي ليس نهاية، بل بداية أخرى للعطاء الاجتماعي والتأمل وخدمة المجتمع من زوايا مختلفة.
رسالة أخيرة
س: ما الرسالة التي توجهها للأجيال الجديدة؟
ج: أن يتمسكوا بالقيم والأخلاق، وأن يتعاملوا مع التعليم كرسالة تؤسس لمجتمع ناهض، لا كوظيفة مؤقتة. فبناء الإنسان يبدأ من المدرسة.
كلمة الختام
تتوجه “أضواء الوطن” بجزيل الشكر والتقدير للأستاذ مبارك بن محمد الشهراني على هذا اللقاء الصادق، الذي أضاء لنا صفحاتٍ من سيرةٍ تربويةٍ وإنسانيةٍ ثرية، وكان حافلًا بالدروس والذكريات الجميلة، ورسالة راسخة لكل من يعمل في ميدان التعليم وخدمة المجتمع
التعليقات 3
3 pings
Om Abdullh
26/03/2025 في 5:21 ص[3] رابط التعليق
لقاء ممتع ورائع وحياة جميله وترابط أسري ومجتمعي يظهر فيها الإشاده بالأب المربي على القيم ومحبة الاخ وتذكر مواقفه النبيله التي تدل على الترابط ومكانة الجار المرموقه كما أوصانا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ياليت أبناؤنا يقتدون بك ويفتخرون بماضيهم ويشيدون بالجميل اسعدك الله .
مبارك البرقي
27/03/2025 في 4:05 ص[3] رابط التعليق
شكرًا لك على هذا الإطراء الجميل، فالحياة تصبح أجمل حين يسودها الحب والاحترام والتقدير المتبادل. أسعدكِ الله كما أسعدتِني بهذه الكلمات. وبمرورك العطر .
مبارك البرقي
27/03/2025 في 4:19 ص[3] رابط التعليق
شكرًا لك على هذا الإطراء الجميل، فالحياة تصبح أجمل حين يسودها الحب والاحترام والتقدير المتبادل. أسعدكِ الله كما أسعدتِني بكلماتك الطيبة وبمرورك العطر .