القيادة الواعية

القيادة الواعية
https://adwaalwatan.com/?p=3305764
الزيارات: 7667
التعليقات: 0

إن إعداد القادة -الذين يمتلكون مهارات نوعية- ورعايتهم والعناية بهم هو العامل الحاسم والأهم في حاضر الشعوب ومستقبلها ، فالقيادة الواعية المدركة لفرص النجاح، والقادرة على اتخاذ القرار من خلال استيعاب الحاضر واستشراف المستقبل، فضلاً عن قدرتها على العمل الجماعي، وقيادة فريق عمل مستندة إلى فهم عميق لطبيعة ما تؤديه وقدرة على التحليل، تلك هي العملة النادرة التي يجب التنقيب عنها والعناية بها، ذلك أنه مهما كانت مهارات وقدرات الجموع من الناس إلا أنها تحتاج إلى من يحدد الهدف، ويستنفر الطاقات، ويسند المهام، ويعرف القدرات، ويصقل المهارات، ويقيّم الأداء، وهو العنصر الفاعل والمؤثر في حياة الناس ذلك مايجب أن يدركه قائد القرن 21 واضعًا نصب عينيه واجبه إزاء مساعدة الآخرين و تقديم الرعاية لهم، وجميل في هذا القائد أن تتجلى قدرته على اقتناص الأفكار المتميزة وبلورتها وإعطائها قوة الدفع القيادي، وتلك هي القيمة الحقيقة للقيادة المستقبلية، كما أنها القادرة على إيجاد بيئة مواتية لاستثمار الخبرات الشخصية، وبث روح التحدي الكفيلة بإيجاد نتائج تفوق التوقعات ، قيادة قادرة على العمل تحت الظروف الإستثنائية، ولا تخشى طرح المشكلات ، واستعراض الأخطاء بل ترى أن تلك الأخطاء ماهي إلا طرق جديدة للتعلم ، وأن معرفتها بداية الوصول إلى الهدف مهما صعُب تحقيقة وحالت دون الوصول إليه عقبات ومعوقات .

من هنا يبرز السؤال الأهم: ما الأسس لحل المشكلات داخل منظومة العمل المؤسسي وأن تعددت أشكالها وأنواعها ؟
كيف يتعامل معها قائد القرن ٢١ ؟
إن هذه القضية تُعدُّ من أهم وأخطر القضايا التي قد تعترض سير العمل وتعيق إنجاز المهام ، وتعرقل تحقيق الأهداف المرسومة وتحتاج منا لدراسة موضوعية و متأنية ، لنضع الأسس والثوابت والآليات، حتى تكلل الجهود بالنجاح وتؤتي أفضل النتائج لتحقيق مخرجات مأمولة .
ولنا في سيرة المصطفى العظات والعبر بل هي نبراس يضيء طريق قائد مهارات القرن ٢١.

سنتحدث هنا عن موقف النبي مع بعض أصحابه كمنهج فريد غاية في الرقي والسمو والشفافية في إدارة المواقف وحل المشكلات .

فموقف بعض الأنصار من غنائم حنين وحزنهم من توزيع النبي وعطائه الجزيل لقريش وبعض قبائل العرب وعدم إعطائهم منها، حتى قالوا: إن هذا لهو العجب. يُعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم.
فقد دخل عليه سعد بن عبادة فقال يا رسول الله: إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء، قال فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال يا رسول الله: ما أنا إلا من قومي، قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة.

فلقد استمع الرسول الكريم من سيدنا سعد بن عبادة القضية كاملة ثم اتخذ قراره بجمع الصحابة ليناقشهم فيما قالوا. فلا ينبغي للقائدالناجح أن يتخذ قرارات من مصدر معلومات دون التأكد من صاحب القضية إنه التبين والتحقق.
بالرغم من أن سيدنا سعد بن عبادة – رضي الله عنه – يُعد من أطراف القضية ومن أصحابها، ولكنه الدرس النبوي الكريم لوضع الأسس السليمة لحماية المجتمع بدأ المصطفى بعرض ملخص للقضية من وجهة نظر الأنصار “يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم… ” ثم ذكرهم بفضل الله عليهم “ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله؟!” ثم بدأ الحوار “ألا تجيبوني يا معشر الأنصار.. “؟ فما دام الحوار بهذا الرقي فلابد أن يكون الرد مناسباً له “لله ورسوله المن والفضل” فالرسول بدأ بتذكيرهم بفضلهم وذلك لنزع ما قد يكون في صدورهم من بذور الخلاف. ثم يأتي دور إبراز الحقيقة وتجليتها لهم. فيكون الرد الطبيعي والمنطقي لهذه المقدمات “رضينا برسول الله قسماً وحظاً”.
إن التزام أدب الحوار في حل المشكلة سيسرع في إيجاد الحل الفوري لها.
لم يغضب رسول الله ولم يصفهم بأي صفة تنقص من إيمانهم أو حتى تشكك فيه ووضح بنفسه ما يمكن أن يجول بخاطر أي منهم “أما لو شئتم لقلتم، فلصَدقتم ولصُدقتم” فأي سعة صدر وأي عظمة هذه؟ إنها عظمة محمد صلى الله عليه وسلم .
إن الاختلاف في رأي أو قرار ما، لا يعني عدم الثقة في القيادة مهما كان هذا الرأي، ما دام في دائرته الشرعية ولم يخرج عنها.
اعتمد المصطفى في أولى خطوات الحل بإيجاد أرضية مشتركة للتفاهم فعندما ذكرهم بفضل الله عليهم ثم بفضله عليهم وبعد ذلك جهودهم في نصرة الله ورسوله، أظهر لهم الحقيقة، فكانت كل هذه الخطوات متدرجة للنفس لتقبل الحل و تُنحّي المجادلة العقيمة.
إن التهاون في سرعة حل الخلاف منذ البداية يتسبب في خلل قد يكون أكبر من الخلاف ذاته.
لقد حدد الرسول الكريم موعداً في الحال للاجتماع بهم ومناقشة الأمر معهم، وهذا ما ينبغي عمله تجاه أي مشكلة في بدايتها وعدم تمييعها أو الاستهانة بها.
أن إيجابية سيدنا سعد بن عبادة عندما ذهب إلى المصطفى لنقل الصورة بغرض الحل. هي إيجابية الجندي والقائد لسرعة الحل. عندما سأله الرسول “فأين أنت من ذلك يا سعد “؟ قال يا رسول الله ما أنا إلا من قومي .
أي روعة وعظمة يسطرها التاريخ بأحرف من نور ؟!

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>